لا فرق بين التقويم والتقييم.. نهاية الجدل؟

بعيدا عن المناقشات التي قامت حول تحديد مفهوم كلمة (تقويم)، يمكن الإشارة إلى خضوع الصياغة الاصطلاحية لهذه المفردة لمزاحمة مفهوم آخر، يحمله مصطلح (تقييم). وفي هذه الحالة فإن النبش في دلالات هاتين المفردتين إجراءٌ أصيل، لا بديل عنه لمنح كل لفظة اصطلاحية منهما وعاءها المعنوي.

1- تقويم أم تقييم: تصور في الأصل والمفهوم

إذا كان بعض الباحثين التربويين يُصِرُّون على استعمال لفظة (تقويم) لورودها في معاجم اللغة العربية الفصيحة وقواميسها، دون مفردة (تقييم). فهل يكفي هذا للحكم بعدم أصالة لفظة (تقييم) في القاموس العربي القديم؟ وإذا كان لفظ (تقويم) بالغ العراقة في التراث اللغوي العربي القديم، فإلى أيِّ حد تتوازى، أو تتقاطع دلالاته المعجمية، مع الحمولة المعنوية لمفردة (تقييم)؟

هكذا، يمكن في مقاربة أولية تقديم تعريف للفظة (تقويم) بإرجاعها إلى أصلها الاشتقاقي، من مادة (قَوَمَ): “القوام: حسن الطول… وقوام الأمر بالكسر، نظامه وعماده… وقَوَّمَ السلعة واستقامها: قدَّرها… والقيمة واحدة القِيَم. والقيمة ثمن الشيء بالتقويم… والاستقامة: التقويم، لقول أهل مكة استقمت المتاع، أي قومته. وفي الحديث: قالوا: يا رسول الله لو قوَّمت لنا “فقال: (الله هو المقوِّم)، أي لو سَعَّرت لنا، وحددت قيمتها.

 ويقال: قام ميزانُ النهار فهو قائم: أي اعتدل.. وقيم الأمر: مقيمه، وأمر قيم: مستقيم. وفي الحديث: أتاني مَلَكٌ فقال: أنْتَ قُثُمٌّ وخُلُقُكَ قيِّم، أي مستقيم حسن.. والقيِّم: السيِّد وسائس الأمر.. وقيِّم المرأة: زوجها في بعض اللغات.. لأنه يقوم بأمرها وما تحتاج إليه.”(لسان العرب)

واضحٌ من هذه الدلالات المعجمية للفظة (تقويم) انصراف هذه المفردة إلى معاني الاستواء، والاستقامة، والتعديل، والعُمدة، والنظام، والثَّمن، والحُسن. وإلى دلالات التعديل، وإقامة الشيء. وفيها يشير القائل شِعْرا:

إنَّ الغُصُونَ إذَا قَوَّمْتَهَا اعْتَدَلَتْ **.وَلَا يُقَوَّمُ إِذَا عَدَّلْتَهُ الْحَـــطَـبُ

وفي الأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه “قال يوما في مجلس، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمر، ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا فعاد مرتين، أو ثلاثا، قال بشير بن سعد: لو فعلتَ قوَّمناك تقويم القَدَح، قال عمرُ: أَنْتُمْ إذاً أَنْتُمْ.”

وفيما يتصل بمفردة (تقييم) فعلى الرغم من عدم ورودها في القواميس العربية القديمة، فإنه من المرجح الميل إلى إمكانية عدِّها من المفردات العربية الأصول، وذلك للخاصيتين اللغويتين الآتيتين:

1-1: خاصية التعاقب اللغوي

المعاقبة في اللغة من “العَاقِبِ والعَقُوب الذي يخلف من كان قبله … وكل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب له. وقد عَقَبَ يَعْقُبُ عَقْبا وعُقُوبا. ولهذا قيل لولد الرجل: عَقِبُه وعَقْبُه”.(أبو منصور الأزهري، تهذيب اللغة،1/197)

ومن جانبه أشار أبو الحسن ابن سيده، في (المخصَّص) لخاصية التعاقب اللغوي بقوله: “وأَذْكُرُ شيئا من المعاقبة، وأُرِي كيف تدخل الياء على الواو، والواو على الياء من غير علَّة، إما لمُعاقبة عند القبيلة الواحدة من العرب، وإما لافتراق القبيلتين في اللغتين؛ فأما ما دخلت فيه الواو على الياء، والياء على الواو لعلة فلا حاجة بنا إلى ذكره في هذا الكتاب، لأنه قانون من قوانين التصريف. قال الأصمعي: سألت المفضل عن قول الأعشى:

   لَعَمري لمَنْ أَمْسَى مِنَ الْقَوْمِ شَاخِصًا ** لَقَدْ نَالَ خَيْصًا مِنْ عُفَيرة خَائِصا

فقلت ما معنى خَيْصا خَائِصا، فقال: أراه من قولهم: يُخَوِّص العطاء في بني فلان-أي يقلِّله- فكأنَّ خيْصا شيءٌ يسير، ثم بالغ بقوله خَائِصا، كما قالوا: موتٌ مَائِت. قلت له: فكان يجب أن يقول: لقد نال خوْصا؛ إذ هو من قولهم: هو يخُوِّص العطاء. فقال: هو على المعاقبة، وهي لغةٌ لأهل الحِجاز، وليست بمطَّردة في لغتهم.” (علي أبو الحسن ابن سيده، المخصص في اللغة، 14/19.)

ومزيدا في التوضيح عن كيفية دخول الياء على الواو، والواو على الياء لمُعاقبة بينهما في كلام العرب، ذكر ابن سيده عددا من الأمثلة في هذا الباب بقوله: “أهل الحِجَاز يُسَموُّن الصُّوَّاع الصّيَّاع، ويقولون: الميَاثِر والمَوَاثِر والمَوَاثِق والمَيَاثق … ويقال هو المُتَأوِّب والمُتَأَيِّب، وقد دوَّخُوا الرجل ودَيَّخُوه … ما أتْوَهَهُ وما أتْيَهَهُ مُعَاقَبَة. ويقال فَاحَ المِسْك يَفِيحُ وفَاحَ يَفوح. ويقال: هو أحْوَل منك، وأحْيَل منك من الحيلة (أي أَكْبَرُ حِيلَةً) … ويقال: دَاهِيَة دَهْوَاء ودَهْيَاء، وقَنَوْتُ الغَنَمَ، وقَنَيْتُهَا (أي اقْتَنَيْتُها)…”(م.س)

وبناءً على خاصية التعاقب اللغوي، وقياسا على ما قالته العرب يستطيع الباحث، فيما نَبَّه إليه الدارس اللغوي سبع أبو لبدة، أن يفسر استعمال مفردة (تقييم) بناء على تعاقبها مع لفظة (تقويم) (المصطلح التربوي النفسي: تقييم لا تقويم، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، العدد 62، ص. 122.)

استنادا إلى أمَّات القواميس اللغوية العربية القديمة، كمعجم (لسان العرب) لابن منظور وغيره من القواميس العربية الأصيلة؛ إذ من خلال تصفحها يمكن استكشاف قاعدة التعاقب اللغوي ما بين مادتي “قوم”، و”قيم”، بأمثلة ونماذج كثيرة يمكن تلخيصها في أن هذا الجذر الأخير أصله “قوم”، ومنه الِقيَام، ويَقُومُ قَوْمًا وقِيَامًا وقَوْمَةً وقَامَةً وقِيَامَة. ورجلٌ قَائِم وجمعها قُوَّمٌ وقُيّامٌ وقِيَّامٌ. وقَامَةُ الإنسان وقِيمَتُه وقَوْمَتُه، وقومِيَّتُه وقَوَامُه.

1-2: خاصية الاستبقاء اللغوي

إلى جانب فرضية التعاقب اللغوي بين مفردتي (تقييم) و(تقويم)، هناك تفسير آخر للقضية، مصدره الأبحاث اللغوية المقارنة بين اللهجيات العربية واللغة العربية الفصحى في الأدبيات اللسانية الاجتماعية التي تؤكد مباحثُها على خاصية “الاستبقاء اللغوي” (Maintenenance) التي تجعل من اللَّهْجِيَّات، تحافظ على بعض الظواهر والسمات، كما كانت في الأصل اللغوي العربي، بتناقلها عبر الزمان جيلا بعد جيل.

تقول الباحثة ثريا خربوش: “يدخل ضمن الاستبقاء اللغوي العام، التسكين، والحذف، والاستبدال، والتليين، وجميع الظواهر المميزة للعاميات، بل إن الانجازات العامية ‘مستبقاة’ لها جذور في الزمن الماضي العربي.” (ثريا خربوش، اللهجات العربية: محددات وسمات، آفاق اللسانيات، ص. 218.)

وفي هذا السياق يشير الباحث سبع أبو لبدة إلى وجود لفظي “تقويم” و”تقييم” في اللهجيات العربية المحكية، ويرى أن المصطلح الثاني منهما هو الأكثر شيوعاً وجرياناً على الألسن. والناس من العوام عادة ما يفرقون بينهما في الاستعمال والتوظيف، ولا يستعملونهما مترادفين، بل يستعملون ‘تقويم’ بمعنى تصحيح الاعوجاج، و’تقييم’ بمعنى تثمين الشيء، أو بيان قيمته. ونادراً ما يُستعمل المصطلحان مترادفين إلا من قِبل المثقفين. (سبع أبو لبدة، المصطلح التربوي النفسي تقييم لا تقويم، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، العدد 62،  ص. 117.)

ولاختبار هذه الفرضية عُدْتُ بالبحث إلى بعض القواميس المعاصرة التي بنت أطروحتها على “أن اللسان العربي الدارج كان إفرازا أفرززته الفصحى”، فوجدت منها (معجم الفصحى في العامية المغربية) لمحمد الحلوي يشير في شرح لفظة (قيام) اللهجية إلى أنها تلتقي في المبنى والمعنى مع اللفظة ذاتها في العربية الفصحى.

 يقول محمد الحلوي في هذا الصدد: “يقوم عملُ وإنتاجُ كلِّ نسيج على لحمة وسدى، وفي اللسان الدارج لا تُعرف كلمة السَّدى، أما اللحمة فيطلقون عليها – القيام – وهي من الفصحى التي لا تتعامل معها الخاصة، فالقيامُ كل ما يُعمل به الشيء ويقوم به.” (محمد الحلوي، معجم الفصحى في العامية المغربية، ، ص. 179.)

وفي قاموس (تكملة المعاجم العربية) يشير المستشرق اللغوي الهولندي رينهارت دوزي إلى أن كلمة (قوام) عامية محضة. ويقول: “قيمة: غرامة نقدية. والمعنى الأصلي إعادة سعر الشيء إلى صاحبه … ومنه القيمة عند بعض العامة لِمَا يقيمه الإنسان بيده إلى ما فوق أعلى قامته… (و) قوام (عامية). (رينهارت دوزي، تكملة المعاجم العربية، 8/422.)

ومهما يكن من أمر هذه المفردة التي ترددت أصداؤها وأصواتها في اللسان العربي الدارج، ولو صح هذا الاستقصاء في جريانها على الألسن المحكية العامية، وتأكدت صلتها بجيناتها العربية، فإن ذلك، يدعم فكرة أنها من المفردات الفصيحة المستبقاة في معجم العربيات اللهجية، ومن ثم تعزيز نسبها العربي الفصيح.

د.عبد الغاني العجان

– للمزيد من التفصيل ينظر: عبد الغاني العجان، الكتابة المقالية، بحث في إشكاليات التقويم وتحيل النتائج، مطبعة أنفو آسية، بني ملال، الطبعة الأولى 2018،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top